فخر الدين الرازي

80

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : قوله : وَما ذا عَلَيْهِمْ استفهام بمعنى الإنكار ، ويجوز أن يكون « ماذا » اسما واحدا ، فيكون المعنى : وأي الشيء عليهم ، ويجوز أن يكون « ذا » في معنى الذي ، ويكون « ما » وحدها اسما ، ويكون المعنى : وما الذي عليهم لو آمنوا . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن الايمان يصح على سبيل التقليد بهذه الآية فقالوا : إن قوله تعالى : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة ، ولو كان الاستدلال معتبرا لكان في غاية الصعوبة ، فانا نرى المستدلين تفرغ أعمارهم ولا يتم استدلالهم ، فدل هذا على أن التقليد كاف . أجاب المتكلمون بأن الصعوبة في التفاصيل ، فأما الدلائل على سبيل الجملة فهي سهلة ، واعلم أن في هذا البحث غورا . المسألة الثالثة : احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية وضربوا له أمثلة ، قال الجبائي : ولو كانوا غير قادرين لم يجز أن يقول اللَّه ذلك ، كما لا يقال لمن هو في النار معذب : ماذا عليهم لو خرجوا منها وصاروا إلى الجنة ، وكما لا يقال للجائع الذي لا يقدر على الطعام : ماذا عليه لو أكل . وقال الكعبي : لا يجوز أن يحدث فيه الكفر ثم يقول : ماذا عليه لو آمن . كما لا يقال لمن أمرضه : ماذا عليه لو كان / صحيحا ، ولا يقال للمرأة : ماذا عليها لو كانت رجلا ، وللقبيح : ماذا عليه لو كان جميلا ، وكما لا يحسن هذا القول من العاقل كذا لا يحسن من اللَّه تعالى ، فبطل بهذا ما يقال : إنه وإن قبح من غيره ، لكنه يحسن منه لأن الملك ملكه . وقال القاضي عبد الجبار : إنه لا يجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتصرف في الضيعة ويحبسه من حيث لا يتمكن من مفارقة الحبس ، ثم يقول له : ماذا عليك لو تصرفت في الضيعة ، وإذا كان من يذكر مثل هذا الكلام سفيها دل على أن ذلك غير جائز على اللَّه تعالى ، فهذا جملة ما ذكروه من الأمثلة . واعلم أن التمسك بطريقة المدح والذم والثواب والعقاب قد كثر للمعتزلة ، ومعارضتهم بمسألتي العلم والداعي قد كثرت ، فلا حاجة إلى الإعادة . ثم قال تعالى : وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً والمعنى أن القصد إلى الرئاء إنما يكون باطنا غير ظاهر ، فبين تعالى أنه عليم ببواطن الأمور كما هو عليم بظواهرها ، فان الإنسان متى اعتقد ذلك صار ذلك كالرداع له عن القبائح من أفعال القلوب : مثل داعية النفاق والرياء والسمعة . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 40 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 ) اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ [ النساء : 39 ] فكأنه قال : فان اللَّه لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ، فرغب بذلك في الايمان والطاعة . واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة : الأول : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وفيه مسائل : المسألة الأولى : الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة . وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في